|
|
#1 |
|
تقني جديد
|
وهذا ما شحنه(ول ديورانت) في كتابه: منهاج الفلسفة. قائلا:
״ إننا نواجه مرة أخرى تلك المشكلة التي أقلقت بال سقراط. نعنى كيف نهتدي إلى أخلاق علوية تحل محل الزواجر العلوية التي بطل أثرها في سلوك الناس؟ إننا نبدد تراثنا بهذا الفساد الماجن... ״ ״ واختراع موانع الحمل وذيوعها هو السبب المباشر في تغير أخلاقنا. فقد كان القانون الاخلاقى قديما يقيد الصلة الجنسية بالزواج, لأن النكاح يؤدى إلى الأبوة بحيث لا يمكث الفصل بينهما, ولم يكن الوالد مسؤلا عن ولده إلا بطريق الزواج, أما اليوم فقد انحلت الرابطة بين الصلة الجنسية وبين التناسل.وخلقت موقفا لم يكن آباؤنا يتوقعونه, لأن جميع العلاقات بين الرجال والنساء آخذة في التغير نتيجة لهذا العامل...״ ״ فحياة المدينة تقضى إلى كل مثبط عن الزواج, في الوقت الذي تقدم فيه إلى الناس كل باعث على الصلة الجنسية وكل سبيل يسهل أداءها. ولكن النمو الجنسي يتم منكرا عما كان قبل, كما يتأخر النمو الاقتصادي. فإذا كان قمع الرغبة شيئا عمليا ومعقولا في ظل النظام الاقتصادي الزراعي, فانه الآن يبدو عسيرا أو غير طبيعي في حضارة صناعية أجلت الزواج حتى بالنسبة للرجال, حتى لقد يصل إلى سن الثلاثين. ولا مفر من أن يأخذ الجسم في الثورة, وأن تضعف القوة على ضبط النفس عما كان في الزمن القديم. وتصبح العفة التي كانت فضيلة موضع سخرية, ويتخفى الحياء الذي كان يضفى على الجمال جمالا, ويفاخر الرجال بتعداد خطاياهم, وتطالب النساء بحقها في مقامرات غير محدودة على قدم المساواة مع الرجال.ويصبح الاتصال قبل الزواج أمرا مألوفا. وتختفي البغايا من الشوارع بمنافسة الهاويات لا برقابة البوليس ...״ ״ وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو في الغالب ثمرة التعود قبله. وقد نحاول فهم العلل الحيوية ولاجتماعية في هذه الصناعة المزدهرة, وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه في عالم خلقه الإنسان! وهذا هو الرأي الشائع لمعظم المفكرين فى الوقت الحاضر . غير أنه من المخجل أن نرضى في سرور عن صورة نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذبح الإباحية وهي تعرض علينا في السارح وفى كتب الأدب المكشوف, تلك التي تحاول كسب المال باستثارة الرغبة الجنسية في الرجال والنساء المحرومين ـ وهم في حمى الفوضى الصناعية ـ من حمى الزواج ورعايته للصحة. ״ ولا يقل الجانب الآخر من الصورة كآبة. لأن كل رجل حين يؤجل الزواج يصاحب فتيات الشوارع ممن يتسكعن في ابتذال ظاهر. ويجد الرجل لإرضاء غرائزه الخاصة في هذه الفترة من التأجيل, نظاما دوليا مجهزا بأحدث التحسينات, ومنظما بأسمى ضروب الإدارة العلمية. ويبدو أن العالم قد أبدع كل طريقة يمكن تصورها لإثارة الرغبات وإشباعها...״ ״ واكبر الظن أن هذا التجدد في الإقبال على اللذة قد تعاون أكثر مما نظن مع هجوم دارون على المعتقدات الدينية. وحين اكتشف الشبان والفتيات ـ وقد أكسبهم المال جرأة ـ أن الدين يشهر بملاذهم, التمسوا في العلم ألف سبب وسبب للتشهير بالدين... ״ ״ ولما كان زواجهما [ الرجل والمرأة في المجتمع الحديث] ليس زواجا بالمعنى الصحيح ـ لأنه صلة جنسية لا رباط أبوة ـ فانه يفسد لفقدانه الأساس الذي يقوم عليه, ومقومات الحياة. يموت هذا الزواج لانفصاله عن الحياة وعن النوع. وينكمش الزوجان في نفسيهما وحيدين كأنهما قطعتان منفصلتان. وتنتهي الغيرية الموجودة في الحب إلى فردية يبعثها ضغط حياة المساخر. وتعود إلى الرجل رغبته الطبيعية في التنويع,حين تؤدى الألفة إلى الاستخفاف. فليس عند المرأة جديد تبذله أكثر مما بذلته..״ ״ لندع غيرنا من الذين يعرفون يخبرونا عن نتائج تجاربنا.أكبر الظن أنها لن تكون شيئا نرغب فيه أو نريده. فنحن غارقون في تيار من التغيير, سيحملنا لا محالة إلى نهايات محتومة لا حيلة لنا في اختيارها. وأي شيء قد يحدث مع هذا الفيضان الجارف من العادات والتقاليد والنظم, فالآن وقد اخذ البيت فى مدننا الكبرى فى الاختفاء, فقد فقد الزواج القاصر[المقصور] على واحدة جاذبيته الهامة. ولا ريب أن زواج المتعة سيظفر بتأييد أكثر فأكثر, حيث لا يكون النسل مقصودا. وسيزداد الزواج الحر, مباحا كان أم غير مباح. ومع أن حريتهما إلى جانب الرجل أميل, فسوف تعتبر المرأة هذا الزواج أقل شرا من عزلة عقيمة تقضيها في أيام لا يغازلها أحد. سينهار (المستوى المزدوج) وستحث المرأة الرجل بعد تقليده في كل شيء على التجربة قبل الزواج. سينمو الطلاق, وتزدحم المدن بضحايا الزيجات المحطمة . ثم ثم يصاغ نظام الزواج بأسره في صور جديدة أكثر سماحة. وعندما يتم تصنيع المرأة يصبح ضبط الحمل سر شائعا في كل طبقة يضحى الحمل أمرا عارضا في حياة المرأة, أو تحل نظم الدولة الخاصة بتربية الأطفال محل عناية البيت…وهذا كل شيء…״(12) ان شهادة (ول ديورنت) ومابين فيها من التحليل الجنسي لتكفى لما وصل إليه إنسان العصر من تدمير لنفسه ومما يزيد الأمور خطورة أن الكاتب كان قد ألف كتابه منذ80 سنة أي سنة 1920 م . ونحن الآن في القرن الواحد والعشرون عصر المعلومات والتقنيات الرقمية..والقرية الكونية.) تخطينا كل الحدود, فقد نتج عن الثورة المعلوماتية التقنية تغيرات جذرية مست كل الأصعدة والمستويات حيث شهدت مفاهيم: العمل والزمن, والأفكار والمؤسسات والقيم الثقافية تغيرات أساسية..فأصبحنا نشاهد بأم أعيننا عن طريق هذه التقنيات الحديثة ما لم يخطر على بال الكاتب فأصبح الجنس هو المعبود بحق فلم يعد يكفى ما ذكره المؤلف من أفلام ومسارح وقصص جنسية في شهادته السابقة. بل أنهم جسدوا ذالك كله بالصوت والصورة وزادوا عليه حيث أن وسائل الإعلام ـ ولاسيما الفضائيات ـ تحرك غريزة الجنس وتحطم كل الآداب المرعية في هذا المقام، مما جعل سلوك بعض الناس ـ من كبار وصغار- يتجاوز بخطوات السلوك الجنسي لبعض البهائم.ويكفى للحصول على هذه الصور كبسة على زر من أي جهاز وفى أي مكان من العالم. ناهيك عن ملايين المواقع الإباحية في الانترنت.والموبايل والفنادق..الخ لكننا لا نراه شبع من الجنس رغم إتاحة كل الفرص له للإشباع! بل نراه في قلق دائم, وفى ضغط عصبي متزايد, وجنون ومخدرات وجريمة وانتحار….الخ ليس هذا ما كان يريده الإنسان التواق إلى الأمن النفسي والاستقرار, الذي ينبغي أن يتوفر لكل نفس « إنسانية » لها مهمة تقضيها على هذه الأرض غير مهمة الحيوان. وهذا ربما أحسه الشباب المسلم بفطرته, الذي ينشد لدى كتابه ومفكريه مستوى من المبادرة والجد والإخلاص, ولونا من الكتابة المباشرة التي تعيش عصرها وأفكاره وتطلعاته, فإذا هم لا يزيدون على مضغ حكايات الأولياء, واجترار بضعة خيالات محلقة في سموات التيه, ومجابهة الواقع الصارخ الملح بما يميعه في وعى الجماهير, ثم يسرح بها بعيدا بعيدا, في أحلام الماضي وتصوراته..لينشغل ببيان الانجازات التي حققها السلف..وهذا ما يجعل هؤلاء الشباب يهربون من التفكير بانغماسهم في ملذاتهم إلى درجة تكييفها مع عقلهم الجمعي. وهو ما يمكن اختزاله في معادلة أحد طرفيها البطن والفرج والطرف الآخر القلب والعقل وتكون المعادلة على الشكل التالي: العقل+القلب = البطن+الفرج. وعليه يتحدد تعقلنا للأشياء حسب تفعيل طرفي المعادلة بالنسبة للطرف الآخر. وتفسير ذالك أن الإنسان فيه غرائز دنيا تشده إلى تحت؟ وخصائص كريمة تدفعه إلى فوق؟ فإذا كانت هذه الخصائص أشد قوة ذهبت بالإنسان صعدا إلى آفاق الحق والخير والجمال. وإذا كانت مساوية لغريمتها ذهب السالب في الموجب وبقى المرء موضعه. وإذا كانت أضعف منها أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلم تراه إلى مبطلا شريرا دميم الروح. والذي أقصده أن تحصيل الكمال تحتاج إلى معاناة علمية وخلقية…فالكريم لن يكون كريما إلا إذا قهر نوازع الشح. والشجاع لا يكون شجاعا، إلا إذا هزم بواعث الخوف… وبما أن تحصيل الكمال يحتاج إلى معاناة القراءة الجادة وما تتطلبه من تركيز ووعي، والى مفكرين يعيشون ثقافة العصر بكل تحدياته.فان الثقافة الأوروبية ستبقى بلا منازع في الوقت الراهن, تلك الثقافة الناتجة عن هيمنة أوروبا وضعف وترهل البرامج العربية والإسلامية ومن بينها بلدي موريتانيا, فقد تكونت لدى أبناء هذا المجتمع عقلية مشابهة للعقلية الأوروبية في مفاهيمها وأفكارها ونظرتها إلى الحياة, لأن الباب الوحيد للعلم والتثقيف هو ذالك الذي يفضى إلى هذه الثقافة, التي تلقن في المدارس المنشأة من طرف الحكومات في البلاد العربية ولإسلامية, على نمط المدارس المنشأة في البلاد الأوربية, من ابتدائية وثانوية وعالية. وهذه الثقافة بشكلها الحاضر وجميع ملابساتها أخذت واقتبست من الثقافة الأجنبية, وهى نفسها في الدواوين الحكومية وفى المهن الحرة وفى مجالات الحياة العملية المختلفة. وارتباط المجتمع بالمناهج التعليمية, والمقررات الدراسية, ومختصراتها قتلت لديهم روح البحث وحرمتهم من المطالعة خارج المنهاج, وكرهت إليهم القراءة والكتابة، إذ حصرت الهدف منهما بالإمتحان والشهادة تنتهي الحاجة إليهما, وتبدأ القطيعة معهما بالنجاح في الامتحان وتحصيل الشهادة. من ثم فان الفئة التي تحصلت على الشهادة ارتبطت هي الأخرى بوسائل الأعلام والمعلومات السريعة، بما تملكه من جاذبية وسائطها المتعددة في الصوت والصورة والحركة، فآثروها على تحصيل العلوم والمعارف، وسلموا أخيلتهم وأوقاتهم لها، وفضلوا التحول إلى متلق يستمع ويشاهد مسترخيا على أريكته، يتجرع ويحتسى كؤوس القهوة أو الشاي مع ما يقدم له من دون كبير تدخل أو اختيار… أما الفئة الباقية فهم مجموعات تحكم فيها الفكر الجمعي للمجتمع الذي لا يسمح عادة بالخروج عليه لأن ذلك يعتبر إيذانا بتخريب روحه الجماعية التي هي المصدر لتلاحمه الهش، فسيطر على هؤلاء الانشغال ببيان الانجازات.. وبهذا تحكم أوروبا سيطرتها على العالم أجمع بهذه الثقافة وهى (الثقافة التي تمثل الفكر الغربي ككل) سواء في مستعمراتها السابقة أو عولمة يرامحها عن طريق وسائل الإعلام المكتوبة والمقروءة والمسموعة.. يبين عبد القادر عودة في كتابه: الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه, السيطرة الكاملة للثقافة الأوروبية على جميع طوائف المسلمين الذين يقسمهم إلى ثلاث طوائف وهي: 1) طائفة غير لمثقفين: وتشمل الأميين والمثقفين ثقافة بسيطة لا تؤهلهم لأن يستقلوا بفهم ما يعرض عليهم والحكم عليه حكما صحيحا, وهؤلاء يجهلون الشريعة الإسلامية جهلا تاما إلا معلومات سطحية عن العبادات. وأكثرهم يؤدون العبادات تأدية آلية, مقلدين في ذالك آباءهم وإخوانهم ومشايخهم, ويندر أن تجد فيهم من يعتمد في تأدية عباداته على دراسته ومعلوماته الشخصية. ويدخل في هذه الطائفة أغلب المسلمين ولا يقل عدد أفرادها عن ثمانين في المائة من مجموع المسلمين في العالم الإسلامي وتتأثر هذه الطائفة تأثيرا كبيرا بتوجيهات المثقفين, سواء كانت ثقافتهم أوروبية أو إسلامية.. 2 ) طائفة المثقفين ثقافة أوروبية: تضم هذه الطائفة معظم المثقفين في البلاد الإسلامية وأكثرهم متوسطي الثقافة. ولكن الكثيرين منهم مثقفون ثقافة عالية.ومن هذه الطائفة القضاة والمحامون. والأطباء. والمهندسون والأدباء ورجال التعليم. والإدارة.والسياسة. وقد تثقفت هذه الطائفة على الطريقة الأوروبية. ولهذا فهم لا يعرفون عن الشريعة الإسلامية إلا ما يعرفه المسلم العادي بحكم البيئة والوسط. وأغلبهم يعرف عن عبادات اليونان والرومان. وعن القوانين والأنظمة الأوروبية. أكثر مما يعرف عن الإسلام والشريعة الإسلامية. ومن هذه الطائفة أفراد يعدون على الأصابع في كل بلد لهم دراسات خاصة في فرع من فروع الشريعة أو في مسألة من مسائلها. ولكنها دراسة محدودة. ويغلب أن تكون دراسات سطحية. وقل أن تجد في هؤلاء من يفهم روح الشريعة الإسلامية على حقيقتها أو يلم الماما صحيحا باتجاهات الشريعة أو الأسس التي تقوم عليها. وهؤلاء المثقفون ثقافة أوروبية. والذين يجهلون الإسلام والشريعة الإسلامية إلى هذا الحد. هم الذين يسيطرون على الأمة الإسلامية. ويوجهونها من مشارق الأرض ومغاربها. وهم الذين يمثلون الإسلام والأمم الإسلامية في المجامع الدولية.) وهؤلاء على جهلهم بالإسلام متدينون, ويؤدون عبادتهم بقدر ما يعلمون.. 3) طائفة المثقفين ثقافة إسلامية: تضم هذه الطائفة المثقفين ثقافة إسلامية عالية وما دونها وعددهم ليس قليلا. وان كانوا أقلية بالنسبة للمثقفين ثقافة أوروبية. ولهذه الطائفة نفوذها العظيم على الشعوب الإسلامية فيما تُعلم لهذه الشعوب أنه متصل بالإسلام.. وقد انحصر نفوذها بعد دخول القوانين الأوروبية إلى البلاد الإسلامية(13).. وهكذا يستطر الثقافة الأوروبية ومفاهيمها على البشرية ليس في مجال النظريات والأفكار فقط. بل حتى على مستوى التطبيق؛ يقول (نور ثروب): «كيف ستؤثر ـ يريد نظرية الكم في مناطق العالم الأخرى ـ هذه الطريقة الجديدة في التفكير التي أنشأها الغرب الحديث ؟!! لقد عالج (هايزنيرغ) هذه المسألة في بدء حديثه وفي ختامه فالطريقة الجديدة في التفكير ستؤدي كما بقول المؤلف، وسواء شئنا أم أبينا، في تغير أو تدمير جزئي في عاداتنا التقليدية وفي قيمنا الأخلاقية(14). فكثير من قادة الشعوب في العالم غير الغربي، وكذلك غالبية مستشاريهم الغربيين يرون أن مسألة إدخال الآلات العلمية وطرق التفكير الحديثة إلى آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا لا تعدو منح هذه المناطق استقلالها السياسي، ومن ثم تزويدها بالأموال والآليات اللازمة. لكن هذا الافتراض السهل يهمل عدة أمور: ـ أولها أن أجهزة العلم الحديث مستمدة من نظرياته، وتتطلب لإتقان صنعها أو لحسن استعمالها فهما جيدا لتلك النظريات. ـ وثانيها أن هذه النظريات تعتمد بدورها على عقائد فلسفية إذا فهمت على حقيقتها تولد عقلية شخصية وجماعية وشكوكا تختلف كلها عما ألقته الأسرة والطائفة والقبيلة من عقلية وقيم سائدة لدى شعوب آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، وقد تتعارض معها في بعض الأمور. وبموجز القول: لا يستطيع الإنسان أن يستورد آلات الفيزياء الحديثة دون أن يستورد عاجلا أو آجلا عقليتها الفلسفية وهذه العقلية(15) باستحواذها على تفكير الشباب العلمي تتغلب على الولاء العائلي والقبلي القديم. وإذا لم ينتج عن هذا بالضرورة توتر عاطفي وبأس اجتماعي، فمن المهم أن تتنبه لما يطرأ عليها وهذا يعني أن علينا أن ننظر إلى تجربتها على أساس أنها اجتماع عقليتين فلسفيتين مختلفتين، تلك التي تحمل الثقافة التقليدية، وتلك التي انبتت الفيزياء الحديثة ومن هنا تبرز لكل فرد أهمية فهم فلسفة الفيزياء الجديدة.. لكن المرء قد سأل : ألست الفيزياء مستقلة تماما عن الفلسفة ؟! ألم تعزز الفيزياء الحديثة فعاليتها إلا بهجر الفلسفة ؟! إن (هايزنبرع) يجيب بكل وضوح عن كلا السؤالين بالنفي … فلماذا ؟ لقد ترك (نيوتن) انطباعا بأن فيزياء خالية من الفرضيات التي لا تستلزمها المعطيات التجريبية. وهذا يتضح من إدعائه بأنه لم يضع أية فرضية وإنما استنبط مفاهيمه الأساسية وقوانينه مما وجده في تجاربه فإذا صح رأيه هذا في العلاقة بين الأرصاد الفيزيائية التجريبية وبين نظريته، فإن نظريته لن تحتاج أبدا إلى تعديل، ولا يمكن أن تنطوي على أية نتائج لا تؤكدها التجربة، أي أن اتفاق الوقائع معها يجعلها نهائية وخارج نطاق الشك»(16). ومن المعلوم أن الفيزياء الحديثة قد اجتهد روادها من أجل تجاوز تزمت الكنيسة , وعجز الميتافيزيقا فكانت العلوم الحديثة تعبيرا عن حاجة إنسان عصر النهضة إلى نظرة جديدة عن الكون , وأسلوب جديد في البحث وهذا ما يفسر صيحة ديكارت العقلانية قي سماء التقليد, ودعوة فرانسيس بيكون التجريبية في أوساط التأملات العقيمة والوهمية, وتنبه كاليلو إلى الرياضيات باعتبارها مفتاح الطبيعة بدل اللغة الكيفية القاصرة .معلنين بذالك إفلاس ميكانيكا أرسطو , ومبينين خرافة نظام بطليموس الفلكي ومسلطي الضوء على عقم المنطق الصوري.. وبهذا تعود النهضة الأوروبية إلى منابعها الأولى, فيما قبل المسيحية, إلى التراث اليوناني والروماني القديم! واعتبرت ذالك رجوعا إلى النور والسؤال الذي يطرح نفسه من أين جاء هذا النور؟ من المْسلم به حتى عند الغرب انه لم يأتي من اليونان ولا من الرومان ولا من عصور الظلام…فمن أين أتى؟ لم يبقى إلا احتمال واحد وهو الإسلام.. انه النور الذي سطع من العالم الإسلامي على أوروبا المظلمة, فحرر عقولها من الخرافة, وحرر نفوسها من الخضوع المذل لسلطان الكنيسة الجائر, فاستنكفت العبودية للبشر, وسعت إلى الحرية من كل سبيل. ولكنها لم تأخذ النور على أصوله, ولم تهتد بهديه الصحيح . لم تتجه إلى الله على منهج الإسلام الذي اقتبست منه هذا النور. فما الذي جعلها تنتهج هذا المنهج؟ إذا رجعنا قليلا إلى بداية اتصال الإسلام بالغرب, نجد أن هذه الصلة بدأت منذ حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم, ولم تكن صلة مودة ووئام, ولكنها كانت منذ بدايتها صلة عداوة وحروب. وقد عاصرت بداية الدعوة الإسلامية جزءا من حياة الإمبراطور الروماني « فوكس» , وجزءا أكبر من حكم خلفه الإمبراطور « هرقل», ولم تبد الدولة البيزنطية اهتماما بدعوة الإسلام, وجهاد نبيه أول الأمر, فلما امتدت أطراف الدولة الناشئة إلى تخوم الشام, أخذ الرومان يحرضون سكان هذه البلاد, وخصوصا نصارى ايلات, وفلول اليهود الذين طردوا من يثرب على يد المسلمين. وحدث في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم غزوتان ذوات أهمية كبرى وهما: غزوتا مؤتة, وتبوك, فقد تلتهما موقعة اليرموك, وعلى أثرها غادر هذه البلاد العزيزة عليه, وهي من أخصب ما كانت تملك الدولة الرومانية في الشرق, غادرها وعيناه تسكبان الدموع, وهو يقول:” عليك يا سوريا السلام ونعم البلد للأعداء” (17) ثم بعد هذه الاتصال العدائي تأتي فترة الاستشراق في القرن الحادي عشر. وقد امتازت هذه الحقبة بالتعصب والجهل جميعا, أما التعصب فمرده إلى حال العداء الذي رأينا طرفا منه, أما الجهل فمرجعه شح المعلومات عن الإسلام. وكانت دراسة الإسلام والحديث عنه أشبه بالدعايات الحربية التي تبحث عن سوءات الخصوم, فان لم تجد اختلقت هي سوءات خيالية.. ومنذ القرن التاسع عشر, وبعد الحركة الاستعمارية التي اطلعت الغرب مباشرة على عقائد الشرق وتقاليده, تخلى البحث الاستشراقى عن كثير من خرافات القرن الوسيط, ومع ذالك بقيت أفكار كثيرة جدا يعيش عليها المستشرقون المحدثون. ومن أهم هذه الأفكار « أن القرآن الكريم من صنع محمد, وأنه صلى الله عليه وسلم كان تلميذا لليهود والنصارى, وأن القوانين الإسلامية تحرير وامتداد للقوانين الرومانية. ويأتي تبعا لذالك ما ابتكره هؤلاء من أن التراث الفكري للمسلمين إنما هو صدى وامتداد للفكر اليوناني الفلسفي والفكر الروماني الأدبي. ثم وصفوا الإسلام بأنه دين تواكل وخمول, واليه يرجع ما يرزح تحته المسلمون من جهل وفقر ومرض وتأخر اجتماعي عام. وهذه الأوهام بدأت بدورها تتقلص قليلا قليلا. ولكن التسليم بأن محمد صلى الله عليه سلم كان نبيا تلقى وحيا من الله, وأن القرآن الكريم كلام الله المعجز, مما يصعب عليهم أن يسلموا به, وأجمل ما نجد في كتابات المستشرقين أن كل واحد منهم يعجبه جانب من الإسلام ويلصق بجانب آخر تهمة. فيأتي آخر فينفى تهمة صاحبه ويبين جانبا آخر مشرقا من جوانب الإسلام, ولكن ليس بينهم من يعترف بالإسلام دينا» (18) وهذا ما جعلنا نجد الكثير من المغالطات سواء من كتاب الغرب أو من المسلمين أنفسهم لأنهم هم المسئولون عن عدم التعريف بدينهم وتجلية غوامضه, مما ألصق به من زلات الأبناء قبل الأعداء..حيث يبقى الأمل الوحيد أمام هذا الإنسان المعاصر الذي دمر كيانه عن طريق فلسفة الجنس. ليس في الأخلاق بل وفى كل ما يتصل بالنفس والمجتمع ..حتى أصبح هذا العصر أشد العصور انشغالا بالجنس .. ولعل ما يستحق الذكر هنا تلك الملاحظة الذكية التي ذكرها .... |
|
|
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | |
| طريقة عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| هل أصبح انسان العصر في خسر؟! | المرابط | المنتدى الإســلامــي العام | 2 | 07-13-2010 05:04 PM |
| حروب الطائرات والعمليات العسكرية في الحرب العالمية الثانية Wings of Prey -ViTALiTY | Dark devil | منتدى العاب الكمبيوتر | 0 | 05-28-2010 03:03 PM |
| المجموعة الثانية من الالعاب الكمبيوتر الرائعة *لن تراها في حياتك* | malikos..21 | منتدى العاب الكمبيوتر | 3 | 12-24-2009 11:37 AM |